الشيخ محمد الخضري بك

198

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الكعبة « 1 » ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن تركز رايته بالحجون « 2 » وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة من كديّ « 3 » ودخل هو من أعلاها من كداء ، ونادى مناديه : من دخل داره وأغلق بابه فهو امن ، ومن دخل المسجد فهو امن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو امن « 4 » ، وهذه أعظم منّة له ، واستثنى من ذلك جماعة عظمت ذنوبهم ، واذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى ، فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة منهم : عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم وكتب لرسول اللّه الوحي ثم ارتدّ ، وافترى الكذب على الأمين المأمون ، فكان يقول : إن محمّدا كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم ، فيقول : كل جيد ، ! ومنهم عكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية ، وهبار بن الأسود ، والحارث بن هشام ، وزهير بن أمية وكعب بن زهير « 5 » ووحشي قاتل حمزة ، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وقليل غيرهم ، ونهى عن قتل واحد سوى هؤلاء إلّا من قاتل ، فأما جيش خالد بن الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صدّه ، فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين ، وقتل من جيشه اثنان ، ودخلها عنوة من هذه الجهة ، وأما جيش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يصادف مانعا ، وهو عليه الصلاة والسلام راكب راحلته منحن على الرحل ، تواضعا للّه ، وشكرا له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تمسّ الرحل ، وأسامة بن زيد رديفه ، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل إلى الحجون موضع رايته ، وقد نصبت له هناك قبة فيها أمّ سلمة وميمونة ، فاستراح قليلا ، ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه ، وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت ، وطاف سبعا على راحلته ، واستلم الحجر بمحجنه ، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل عليه الصلاة والسلام يطعنها بعود في يده ، ويقول :

--> ( 1 ) هذا ما ذكره في صحيح البخاري ، وذكر ابن إسحاق أن ذلك عند الدخول والذي نرجحه ما في الصحيح . ( 2 ) جبل بمعلاة مكة ( المؤلف ) وهو موضع بقرب مقبرة مكة . ( 3 ) كدى كقوى جبل مسفلة مكة على طريق اليمن . وكداء كسحاب جبل بأعلى مكة ، ( المؤلف ) . قال السهيلي وكدى من ناحية عرفة وفي البخاري أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ خالد أن يدخل من أعلى مكة من كداء . ( 4 ) قطعة من حديث رواه مسلم . ( 5 ) المزني الشاعر المشهور - صحابي معروف أهدر دمه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم ، فبايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأسفر عن وجهه ، فأنشده قصيدته المعروفة ، فكساه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بردة له . كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير ، وكعب أشعرهما .